ابن قيم الجوزية

14

الروح

عن الضحاك أنه قال : من زار قبرا يوم السبت قبل طلوع الشمس علم الميت بزيارته الأخيرة ، فقيل له : وكيف ذلك ؟ قال : لمكان يوم الجمعة . ( حدثنا ) خالد بن خداش ، حدثنا جعفر بن سليمان عن أبي التياح قال : كان مطرف يغدو فإذا كان يوم الجمعة أدلج « 1 » ( قال وسمعت أبا التياح ) يقول : بلغنا أنه كان ينور له في سوطه ، فأقبل ليلة ، حتى إذا كان عند مقابر القوم وهو على فرسه ، فرأى أهل القبور كل صاحب قبر جالسا على قبره ، فقالوا : هذا مطرف يأتي الجمعة ، قلت : وتعلمون عندكم يوم الجمعة ؟ قالوا : نعم ، ونعلم ما يقول فيه الطير ، قلت : وما [ يقولون ؟ قالوا : يقولون ] : « 2 » سلام سلام . ( حدثني ) محمد بن الحسين حدثني يحي بن أبي بكير ، حدثني الفضل بن موفق ابن خال سفيان بن عيينة قال : لما مات أبي جزعت عليه جزعا شديدا ، فكنت آتي قبره في كل يوم ، ثم قصرت عن ذلك ما شاء اللّه ، ثم إني أتيته يوما ، فبينما أنا جالس عند القبر غلبتني عيناي فنمت ، فرأيت كأن قبر أبي قد انفرج ، وكأنه قام في قبره متوشحا أكفانه « 3 » عليه سحنة « 4 » الموتى قال : فكأني بكيت لما رأيته قال : يا بني ما أبطأ بك عني ؟ قلت : وإنك لتعلم بمجيئي ؟ قال : ما جئت مرة إلا علمتها ، وقد كنت تأتيني فآنس بك وأسر بك ويسر من حولي بدعائك ، قال : فكنت آتيه بعد ذلك كثيرا . ( حدثني ) محمد ، حدثني يحي بن بسطام ، حدثني عثمان بن سودة الطفاوي ( وكانت أمه من العابدات وكان يقال لها راهبة ) قال : لما احتضرت رفعت رأسها إلى السماء فقالت : يا ذخرتي وذخيرتي « 5 » ، ومن عليه اعتمادي في حياتي

--> ( 1 ) أدلج : أي سار من أول الليل ، والاسم : الدلج ، بفتحتين ، والدّلجة والدّلجة بوزن الجرعة والضربة ، وأدلج بتشديد الدال : سار من آخره . ( 2 ) زيادة على المطبوع لعدم وضوح العبارة في الأصل . ( 3 ) الوشاح بالضم والكسر : كرسان من لؤلؤ وجوهر منظومان يخالف بينهما ، معطوف أحدهما على الآخر ، وأديم عريض يرصع بالجوهر ، تشده المرأة بين عاتقيها وكشحيها ، جمع وشح وأوشحة ووشائح ، وقد توشحت المرأة واتشحت ووشحتها توشيحا . ( 4 ) السحنة : الهيئة . ( 5 ) يقال : ذخرته ذخرا : من باب نفع ، والاسم : الذخر ، بالضم ، إذا أعددته لوقت الحاجة إليه ، وأذخرته -